الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

371

تفسير روح البيان

ممسوسة وسمى لها ورفع الجناح بمعنى نفى المهر انما هو في الصورة الأولى لا في البواقي من الصور الثلاث فان فيها وجوب المهر ولم يجب في الصورة الأولى مهر لا بعضا ولا كلا اما عدم وجوب البعض فلان مهر المثل لا ينصف واما عدم وجوب الكل فلكونها غير مدخول بها ولكن لها المتعة لقوله تعالى وَمَتِّعُوهُنَّ فإنه في حق من جرى ذكرهن وهي المطلقات الغير الممسوسة التي لم يفرض لهن فريضة إذ لو فرضت لكان لهن تمام المهر لا المتعة وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً اى وان طلقتموهن من قبل المسيس حال كونكم مسمين لهن عند النكاح مهرا فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ اى فلهن نصف ما سميتم لهن من المهر وان مات أحدهما قبل الدخول فيجب عليه كله لان الموت كالدخول في تقرير المسمى كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ استثناء من أعم الأحوال اى فلهن نصف المفروض معينا في كل حال الا في حال عفوهن اى المطلقات فإنه يسقط ذلك حينئذ بعد وجوبه أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ اى يترك الزوج المالك لعقده وحله ما يعود اليه من نصف المهر الذي ساقه إليها كملا على ما هو المعتاد تكرما فان ترك حقه عليها عفو بلا شبهة فالمراد بقوله الذي بيده عقدة النكاح الزوج لا الولي والمراد بعفوه ان يعطيها الصداق كاملا النصف الواجب عليه والنصف الساقط العائد اليه بالتنصيف وتسمية الزيادة على الحق عفوا لما كان الغالب عندهم ان يسوق الزوج إليها كل المهر عند التزوج فإذا طلقها قبل الدخول فقد استحق ان يطالبها بنصف ما ساق إليها فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى واللام في التقوى تدل على علة قرب العفو تقديره العفو أقرب من أجل التقوى إذ الاخذ كأنه عوض من غير معوض عنه أو ترك المروءة عند ذلك ترك للتقوى وفي الحديث ( كفى بالمرء من الشح ان يقول آخذ حقي لا اترك منه شيأ ) وفي حديث الأصمعي اتى أعرابي قوما فقال لهم هذا في الحق أو فيما هو خير منه قالوا وما خير من الحق قال التفضل والتغافل أفضل من أخذ الحق كله كذا في المقاصد الحسنة للسخاوي وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ليس المراد منه النهى عن النسيان لان ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك والمعنى لا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم بإعطاء الرجل تمام الصداق وترك المرأة نصيبها حثهما جميعا على الإحسان والإفضال وقوله بينكم منصوب بلا تنسوا : قال السعدي قدس سره كسى نيك بيند بهر دو سراى * كه نيكى رساند بخلق خداى إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا يكاد يضيع ما عملتم من التفضل والإحسان . والبصر في حقه تعالى عبارة عن الوصف الذي به ينكشف كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح واجلى مما يفهم من ادراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات . والحظ الديني للعبد من البصر أمران . أحدهما ان يعلم أنه خلق له البصر لينظر إلى الآيات وعجائب الملكوت والسماوات فلا يكون نظره الا عبرة قيل لعيسى عليه السلام هل أحد من الخلق مثلك فقال من كان نظره عبرة وصمته فكرة وكلامه ذكرا فهو مثلي . والثاني ان يعلم أنه بمرأى من اللّه ومسمع فلا يستهين بنظره اليه واطلاعه عليه ومن أخفى عن غير اللّه ما لا يخفيه عن اللّه فقد استهان بنظر اللّه والمراقبة احدى ثمرات الايمان